اسد حيدر

533

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

عليك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر إليها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول ، وانظر كيف شكرك لمن غذاك في نعمه صغيرا أو كبيرا ، فما أخوفني عليك أن تكون كما قال اللّه تعالى في كتابه : فَخَلَف مِن بَعْدِهِم خَلْف . . . الآية إلى آخر الرسالة الخالدة « 1 » . والرسالة تعبر عن اتجاه الإمام زين العابدين إلى إبعاد رجال الدين وأصحاب المنزلة الدينية عن دوائر الحكام ورجال الجور والباطل ، فإنما احتل العلماء هذه المنزلة في نفوس الناس لمكان العقيدة في النفوس وتمجيد كل ما يمت إلى الدين بصلة ، خاصة حملة العلم وأصحاب الفقه الذين يجب أن يكونوا دعائم للحق لا دعائم للباطل والجور . وقد لمست الأمة بعد الحكام عن العقيدة وإن لم تكن مبادئ الإسلام هي التي قررت مضمون العدالة والمساواة ، فإن نواميس الحياة تؤكد تأثر المجتمع بالعلماء والأمراء فإذا صلحا صلح المجتمع ، فكيف إذا كان الزهري في غمار الملوك الطغاة البغاة ، وصفة الزهري الدينية ومنزلته العلمية يفترض أن تحمله إلى شاطئ الإمامة لا إلى خضم السلطان فاختار الإمام زين العابدين عليه السّلام أن يتجه بالخطاب إلى الزهري في فترة اختط فيها الإمام نهج الدعوة الدينية لبناء النفوس وتنزيه الدين من الالتقاء مع الجائرين وتأكيد سياسة عدم التعاون مع الظلمة التي سار عليها أهل البيت وحرصوا على إلزام الأمة مقاطعة الظالمين وهجرهم . وإن من أشد معوقات ذلك أن يكون من يفترض فيهم الصلاح جسرا للبلاء وسلما للضلال . والجدير بالذكر أن الإمام زين العابدين وجّه عنايته إلى الزهري كواحد من تلاميذه لما كان الزهري يغشى مجلسه فيقوم الإمام زين العابدين بإسداء النصح والإرشاد . دخل الزهري على الإمام زين العابدين وهو كئيب حزين ، فقال له زين العابدين عليه السّلام : ما بالك مغموما ؟ قال يا ابن رسول اللّه ، غموم وهموم تتوالى عليّ لما امتحنت به من جهة حساد نعمي والطامعين فيّ ، وممن أرجو ، وممن أحسنت إليه فيخلف ظني . فقال له الإمام : اضغط عليك لسانك تملك به اخوانك ، قال الزهري : يا ابن رسول اللّه ، إني أحسن إليهم بما يبدر من كلامي . قال الإمام زين العابدين : هيهات هيهات ، إياك أن تعجب من نفسك بذلك ، وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره ، وإن عندك اعتذاره ، فليس كل من تسمعه شرا يمكنك أن توسعه عذرا .

--> ( 1 ) تحف العقول .